أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
371
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 44 إلى 46 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 46 ) قوله تعالى : مِنَ الْكِتابِ : فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف إذ هو صفة ل « نَصِيباً » فهو في محل نصب . والثاني : أنه متعلق ب « أُوتُوا » أي : أوتوا من الكتاب نصيبا . و « يَشْتَرُونَ » حال وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه واو « أُوتُوا » . والثاني : أنه الموصول ، وهي على هذا حال مقدرة ، والمشترى به محذوف أي : بالهدى ، كما صرّح به في مواضع . و « يُرِيدُونَ » عطف على « يَشْتَرُونَ » . وقرأ النخعي : « وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا » بتاء الخطاب ، والمعنى : وتريدون أيها المؤمنون أن تدّعوا الصواب . وقرأ الحسن : « أن تضلّوا » من « أضلّ » . وقرىء « 1 » : « أن تضلّوا السبيل » بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يسمّ فاعله . و السَّبِيلَ » مفعول به كقولك : « أخطأ الطريق » وليس بظرف ، وقيل : يتعدّى ب « عن » تقول : « ضللت السبيل ، وعن السبيل » . قوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ : قد تقدّم الكلام على هذا التركيب أول السورة « 2 » فأغنى عن إعادته ، وكذلك تقدّم الكلام في المنصوب بعده . قوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ : فيه سبعة أوجه : أحدها : أن يكون « مِنَ الَّذِينَ » خبرا مقدما ، و « يُحَرِّفُونَ » جملة في محلّ رفع صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ ، تقديره : « من الذين هادوا قوم يحرّفون » وحذف الموصوف بعد « من » التبعيضية جائز ، وإن كانت الصفة فعلا كقولهم : « منا ظعن ومنا أقام » أي : فريق ظعن ، وهذا هو مذهب سيبويه والفارسي ، ومثله : 1596 - وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح « 3 » أي : فمنهما تارة أموت فيها . الثاني : - قول الفراء - وهو أنّ الجارّ والمجرور خبر مقدم أيضا ، ولكنّ المبتدأ المحذوف يقدّره موصولا تقديره : « من الذين هادوا من يحرفون » ، ويكون قد حمل على المعنى في « يُحَرِّفُونَ » ، قال الفراء : « ومثله :
--> ( 1 ) هي قراءة الحسن انظر تفسير القرطبي 5 / 242 . ( 2 ) آية رقم ( 6 ) . ( 3 ) البيت لتميم بن مقبل انظر ديوانه ( 24 ) . وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 376 ) ، الحماسة لابن الشجري ( 183 ) ، الكامل ( 538 ) ، المحتسب ( 1 / 112 ) ، الهمع ( 2 / 120 ) ، الدرر ( 2 / 151 ) .